ابن الجوزي

164

صيد الخاطر

وفي الناس من غلب عليه قصر الأمل وذكر الآخرة حتى دفن كتب العلم . وهذا الفعل عندي من أعظم الخطأ وإن كان منقولا عن جماعة من الكبار ولقد ذكرت هذا لبعض مشايخنا فقال : أخطئوا كلهم ، وقد تأولت لبعضهم بأنه كان فيها أحاديث عن قوم ضعفاء ولم يميزوها ، كما روي عن سفيان في دفن كتبه ، أو كان فيها شيء من الرأي فلم يحبوا أن يؤخذ عنهم « 1 » فكان من جنس تحريق عثمان رضي اللّه عنه للمصاحف لئلا يؤخذ بشيء مما فيها من المجمع على غيره وهذا التأويل يصح في حق علمائهم . فأما غسل أحمد بن أبي الحواري كتبه وابن أسباط فتفريط محض . فالحذر الحذر من فعل يمنع منه الشرع أو من ارتكاب ما يظن عزيمة وهو خطيئة ، أو من اظهار ما لا يقوى عليه المظهر فيرجع القهقرى وعليكم من العمل بما تطيقون كما قال صلّى اللّه عليه وسلم . 119 - لا خير في لذة من بعدها النار أجهل الجهال من آثر عاجلا على آجل لا يأمن سوء مغبته ، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها ، ولم ينظر في حلال وحرام ، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ ، ولو كان هذا فحسب لكفى حزنا ، وكيف ؟ والجزاء الدائم بين يديه ، فالدنيا محبوبة بالطبع ، لا ريب في ذلك ، ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها ، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ، ويعلم وجه أخذها ، ليسلم له عاقبة لذته ، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار . وهل عد في العقلاء قط من قيل له : اجلس في المملكة سنة ثم نقتلك ؟ هيهات ، بل الامر بالعكس ، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة بل سنين ليستريح في عاقبته ، وفي الجملة ، أفّ للذة أعقبت عقوبة . وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أخبرنا أبو بكر الخطيب قال أخبرنا الحسن بن أبي طالب قال حدثنا يوسف بن عمر القواس قال حدثنا الحسين ابن إسماعيل املاء قال حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن مسلمة البلخي

--> ( 1 ) مر هذا المعنى مرارا ، انظر الفصل « 19 » .